محمد سعيد رمضان البوطي
164
فقه السيرة ( البوطي )
شروط معينة ذكرها الفقهاء كأن لا تكون إجارة تضر بالمسلمين كإجارة جاسوس ، وأن تكون لعدد محصور ، وأن تكون لمدة محدودة بحيث لا تزيد على أربعة أشهر « 1 » . روى الشيخان وغيرهما أن أم هانىء بنت أبي طالب ذهبت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عام الفتح فقالت : يا رسول اللّه زعم ابن أمي عليّ أنه قاتل رجلا أجرته : فلان بن هبيرة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء » . وتستطيع أن تتأمل هذا فتعلم مدى الرفعة التي نالتها المرأة في حمى الإسلام وظله ، وكيف أنها نالت كل حقوقها الإنسانية والاجتماعية كما نالها الرجل سواء بسواء ، مما لم يحدث نظيره في أمة من الأمم . غير أن المهم أن تعلم الفرق بين هذه المساواة الإنسانية الرائعة التي أرستها شريعة الإسلام ، والمظاهر التقليدية لها مما ينادي به عشاق المدنية الحديثة اليوم ، تلك شريعة من المساواة الدقيقة القائمة على الفطرة الإنسانية الأصيلة ، يتوخى منها سعادة الناس كلهم نساء ورجالا ، أفرادا وجماعات ، وهذه نزوات حيوانية أصيلة يتوخى من ورائها اتخاذ المرأة مادة تسلية ورفاهية للرجل على أوسع نطاق ممكن ، دون أي نظر إلى شيء آخر . رابعا : يدلنا البند الحادي عشر على أن الحكم العدل الذي لا يجوز للمسلمين أن يهرعوا إلى غيره ، في سائر خصوماتهم وخلافاتهم وشؤونهم إنما هو شريعة اللّه تعالى وحكمه ، وهو ما تضمنه كتاب اللّه تعالى وسنة رسوله . ومهما بحثوا عن الحلول لمشكلاتهم في غير هذا المصدر فهم آثمون ، معرضون أنفسهم للشقاء في الدنيا وعذاب اللّه تعالى في الآخرة . تلك هي أربعة أحكام انطوت عليها هذه الوثيقة التي أقام عليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الدولة الإسلامية في المدينة ، وجعلها منهاجا لسلوك المسلمين في مجتمعهم الجديد ، وإن فيها لأحكاما هامة أخرى لا تخفى لدى التأمل والنظر فيها . ومن تطبيق هذه الوثيقة ، والاهتداء بما فيها ، والتمسك بأحكامها : قامت تلك الدولة على أمتن ركن وأقوى أساس ، ثم انتشرت قوية راسخة في شرق العالم وغربه تقدم للناس أروع ما عرفته الإنسانية من مظاهر الحضارة والمدنية الصحيحة .
--> ( 1 ) راجع مغني المحتاج : 4 / 238 .